JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

قصة قصيرة

 



"ضريبة البقاء.. وجع الاسم الواحد"
بين جنبات قرية غافية في أقصى صعيد مصر، حيث تشرق الشمس لتغازل سنابل القمح وتنعكس على صفحة النيل الخالد، بدأت حكاية صابر. كان صابر "صفا" طفلاً يملأ صوته ردهات الكُتّاب، يرتل القرآن بلسان فصيح وقلب نقي، وعيناه ترنو دائماً نحو ذلك المبنى العتيق الذي يسمونه "المدرسة".
الفرحة الموؤودة
جاء اليوم الموعود، اليوم الذي انتظره صابر ليفك فيه طلاسم الحروف الأبجدية. لم تكن فرحته بالمدرسة تضاهي فرحته بتلك الملابس الجديدة التي كانت تفوح منها رائحة "النشاء" والزهو؛ فقد كان يرى في قميصه الأبيض جناحين سيطير بهما نحو المستقبل.
دخل الفصل بخطوات واثقة، وجلس على مقعده الخشبي كأنه يتربع على عرشٍ ملكي. بدأت الحصة الأولى، وحلّ الصمت المهيب حين أخرج المعلم قائمة الأسماء.
الصدمة: حين يغتال المنطق البراءة
نادى المعلم بصوت رخيم: "صابر صفا صابر".
أجاب بطلنا بلهفة: "نعم يا أستاذ".
لكن صوتاً آخر، من الزاوية الأخرى للفصل، نطق بذات الكلمة: "نعم يا أستاذ".
توقفت عقارب الساعة. كرر المعلم الاسم، فارتفعت يدان في الهواء. وبدلاً من أن يبتسم المعلم لهذه الصدفة الجميلة، تجهم وجهه، وبنبرة خالية من أي منطق تربوي أو لمسة إنسانية، قال ببرود
"لا يمكن أن يضم فصلي طالبين بنفس الاسم الثلاثي.. هذه القائمة لا تقبل التكرار. اختارا بينكما.. واحد فقط سيبقى، والآخر يرحل!"
ساد صمت مطبق، خنق أنفاس الصغار. وفجأة، ودون مقدمات، انخرط "صابر" الآخر في نوبة بكاء مريرة، ثم لملم كراسته الوحيدة وخرج يجر أذيال الخيبة والظلم، تاركاً خلفه حلماً ذُبح بغير سكين.
نقطة التحول: العهد المكتوب بالألم
لم يشعر صابر بانتصاره بالبقاء، بل شعر بطعنة في خاصرة طفولته. المقعد الذي يجلس عليه لم يعد مجرد خشب، بل صار "أمانة" ثقيلة. كل حرف يتعلمه كان يشعر بمرارة فقد زميله له.
تحولت تلك الحادثة في وجدان صابر من جرح إلى وقود. قرر في تلك اللحظة ألا يكون مجرد طالب ناجح، بل أن يكون استثنائياً. أخذ على عاتقه عهداً: "سأدرس بعقلين، وأجتهد بقلبين؛ واحد لي، والآخر لذلك الغائب الذي سُلب حقه بسببي".
الخاتمة: الحبكة الدرامية
مرت السنوات، وأصبح صابر صفا علماً يُشار إليه بالبنان، متميزاً في علمه وخلقه، لكن الغصة لم تبارحه قط. وفي يوم تكريمه كواحد من نوابغ العلم، سأله أحد الصحفيين: "ما هو سر إصرارك العجيب على التفوق؟"
أغمض صابر عينيه واستحضر صورة ذلك الطفل الباكي عند باب الفصل، وقال بلهجة صادقة:
"أنا لم أكن أدرس لأحقق طموحي الشخصي فقط، كنت أركض طوال حياتي لأثبت لهذا المقعد أنني كنت جديراً به أكثر من ذلك الذي غادره باكياً.. أنا مدين بنجاحي لاسمٍ يشبه اسمي، ولعدالة غابت في حصة الحساب الأولى، فحضرت في ميزان ضميري طوال العمر."
بقلم:
د. جمال جبارة
NameEmailMessage