كتب : وائل عباس
في
شوارع القاهرة وأحياء الإسكندرية ، كما في قرى الدلتا وصعيد مصر ، تتشابه
الحكايات وإن اختلفت التفاصيل وجوه أنهكها الغلاء ، وأسر تكافح لتدبير
احتياجاتها الأساسية ، وآباء وأمهات يحملون همّ الغد فوق أكتافهم في صمتٍ
نبيل . إنها الشدة التي يعرفها بسطاء الشعب المصري ، حيث يتقاسم الناس
الرغيف والرجاء ، ويستندون إلى يقينٍ راسخ بأن بعد العسر يسرا .
وسط
هذه الضغوط يطل علينا شهر رمضان كنسمة رحمة في قيظ الحياة ؛ لا يأتي فقط
بالصيام والقيام ؛ بل يحمل معه طاقة روحية تعيد ترتيب القلوب قبل البيوت ،
وتمنح الإنسان مساحة للتأمل والإنابة ؛ففي لحظات الضيق يصبح الدعاء لغة
الفقراء والأغنياء على السواء سلاحًا لا يُنتزع ، وبابًا لا يُغلق.
جاء في محكم الذكر الحكيم
“وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان” (البقرة: 186).
هذه
الآية، التي تتوسط آيات الصيام ليست مصادفة ؛ إنها رسالة واضحة بأن رمضان
موسم الإجابة ، وأن القرب من الله في هذا الشهر ليس مجرد شعور بل وعد إلهي
بالاستجابة . كما قال النبي ﷺ:
“ثلاث دعوات لا تُرد : دعوة الوالد لولده ، ودعوة الصائم ؛ ودعوة المسافر”.
ودعوة الصائم هنا مفتوحة الأفق خصوصًا عند الإفطار ، حين تختلط دموع الرجاء بلقمة البساطة .
عندما
اشتد البلاء بالمسلمين في عام الرمادة ، رفع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
يديه متضرعًا إلى الله ، واستسقى بالعباس رضي الله عنه ، فكان الغيث بعد
القحط والفرج بعد الضيق ؛ لم يكن الدعاء بديلاً عن العمل بل كان روح العمل
وسنده .
وفي قصة أيوب عليه السلام، نقرأ درسًا خالدًا في الصبر والدعاء إذ قال :
“أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين”
فجاء الجواب الإلهي بالشفاء وجبر الخاطر .
يعلمنا
الصيام كيف نتحمل الجوع اختيارًا ؛ لنتذكر من يتحمله قهرًا ؛ ويعلمنا
القيام كيف نقف طويلًا بين يدي الله ، لنخفف عن قلوبنا ثقل الأيام وفي
الأحياء الشعبية ، ترى موائد الرحمن شاهدة على أن التكافل ابن الشدة وأن
المصريين مهما ضاقت بهم الدنيا لا يضيقون عن العطاء .
الدعاء
في رمضان ليس كلمات تُقال بل يقين يُعاش ؛ هو دمعة أمٍ تسأل الستر ، وهمسة
أبٍ يرجو الفرج ، وصوت شابٍ يبحث عن فرصة عمل تحفظ كرامته . هو إعلان دائم
أن السماء أقرب مما نظن ، وأن الله يسمع أنين القلوب قبل أن تنطق الألسنة.
قد
تطول الشدة لكن دوام الحال من المحال ؛ ورمضان يذكرنا كل عام أن الفرج
يولد من رحم الصبر ! وأن الله لا يضيع دعوة صادقة خرجت من قلب مكسور
فلنُكثر من الدعاء ، ولنُحيِ ليالينا بالقيام ؛ ولنجعل من هذا الشهر نقطة
انطلاق نحو يقينٍ أقوى وعملٍ أنقى .
في زمن الكرب قد لا نملك تغيير الواقع كله، لكننا نملك باب الدعاء ... ومن يطرق باب الله لا يُرد خائبًا .
