JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

قصة قصيرة بعنوان : صابـر: نايٌ مكسور….وقانونٌ لا ينام

 



قصة قصيرة بعنوان :

        صابـر: نايٌ مكسور….وقانونٌ لا ينام


في قلب صعيد مصر، حيث يغسل النيل أقدام النخيل الممشوق، كانت قرية صابر واحةً من الطيبة والهدوء. هناك، بين حقول القمح التي تتماوج سنابله منحنية للرياح كموج بحر من الذهب وزهور البرسيم التي يتجمع عليها النحل لجني العسل ، نشأ صابر. طفلٌ لم يكن عادياً، بل كان "بِكراً" في كل شيء؛ في صوته الرخيم وهو يتلو ما حفظه من أجزاء القرآن الاثني عشر في كُتّاب القرية، وفي مشيته الواثقة التي تسبق سنواته العشر بآثار خُطى قائدٍ صغير.


كانت شمس الصعيد تنعكس في عينيه ذكاءً متقداً، حتى جاء ذلك الصباح الخريف، حين كانت النسمات الباردة تداعب وجوه التلاميذ في فصل اللغة العربية. دخل المعلم، وبصمتٍ مريب، خطّ على السبورة كلماتٍ كانت بمثابة نصلٍ يذبح براءة صابر:


"صابر طفلٌ كسلان.. يستيقظ من نومه متأخراً"


زلزال في قلب الصغير


في تلك اللحظة، توقف الزمن. انفجرت ضحكات الزملاء كقذائف من لهب، وتسمرت العيون في وجه "صابر" الحقيقي، الذي كان يستيقظ مع الفجر ليراجع دروسه. لم يكن مجرد درس في القراءة، بل كان "اغتيالاً معنوياً" موثقاً في كتب الوزارة. شعر صابر بأن الجدران تضيق، وأن النيل الذي يحبه صار مرآةً تعكس سخرية العالم منه.


لكن الصدمة لم تكسره، بل صهرته كالفولاذ. قرر صابر أن يخوض حرباً مقدسة ضد "الوصمة". انخرط في الرياضة ليدافع عن كرامته، وبرع في "أوائل الطلبة" ليخرس الألسنة بالعلم، وانفجر نبع الشعر في داخله ليحكي قصة طفلٍ ظلمه الكتاب المدرسي.


من محراب العلم إلى ميزان العدالة


مرت السنوات، وشبّ صابر عن الطوق، لكن جرح الفصل القديم لم يندمل. اختار كلية القانون، لا حباً في الجدال، بل بحثاً عن "حقّ" ضائع تحت ركام المناهج العقيمة. صار صابر المحامي اللامع، الرجل الذي تهتز له قاعات المحاكم، لكنه في خلوته كان لا يزال ذلك الطفل الذي يطارد شبح "صابر الكسلان".


رفع دعواه الكبرى. لم تكن ضد شخص، بل ضد "منظومة" اختارت الإحباط منهجاً، والتحطيم وسيلة. وقف أمام القضاة، ممسكاً بذاك الكتاب المهترئ، متسائلاً


"كيف نطلب من الطفل أن يحلّق، ونحن نربط في قدميه أثقال السخرية؟ كيف نبني وطناً بدرسٍ يغرس الحقد بدلاً من القدوة؟"


القفلة: ضبابٌ على أعتاب المعاش


توالت الجلسات، وشاب شعر صابر وهو يطارد سراب الاعتذار. واليوم، يقف "عم صابر" على أعتاب المعاش، ينظر إلى النيل ذاته الذي شهد طفولته. الوزارة لا تزال تعاند، تتحدث عن "المسار الصحيح" وتتغنى بتقدمٍ لا يراه إلا المسؤولون، بينما الواقع يحكي قصة مدرسٍ أهينت كرامته حتى صار "أضحوكة" في المسلسلات ببدلته الرثة وراتبه الهزيل.


أغلق صابر حقيبته الجلدية القديمة للمرة الأخيرة. خرج من باب المحكمة، وبدت الشوارع خلفه مزدحمة بتلاميذ يحملون حقائب ثقيلة.. هل في داخلها "صابر" آخر يُذبح بدمٍ بارد؟ أم أن صرخته التي دامت عقوداً قد تركت أثراً لن يمحوه الغبار؟


التفت صابر إلى الخلف، مسح دمعةً غامضة، ومشى في الزحام.. تاركاً القضية مفتوحة أمام محكمة التاريخ، حيث لا يسقط حقٌ وراءه "صابر".


بقلم

د جمال جبارة

NomE-mailMessage