كتبت: إيمان الدمراني
في
مثل هذه الأيام من كل عام، يعود الجدل محتدمًا، لا يهدأ ولا يُحسم، حول ما
جرى في الخامس والعشرين من يناير 2011. سؤال يتكرر بإلحاح:
هل كانت ثورة حقيقية؟ أم مجرد مؤامرة كبرى أُحكمت خيوطها في الخفاء؟
هل كانت ثورة حقيقية؟ أم مجرد مؤامرة كبرى أُحكمت خيوطها في الخفاء؟
ولكي
نقترب من الإجابة، لا بد من استدعاء المشهد كما كان، لا كما يُراد له أن
يُروى. فقبيل يناير، كانت البلاد تعيش سنواتها الأخيرة تحت حكم فقد كثيرًا
من شرعيته الجماهيرية. استحوذ كبار رجال الحزب الحاكم على الثروة والسلطة،
باركوا مشروع التوريث، ونهبوا الأراضي والمقدرات، وأغلقوا دوائر الفرص في
وجه كل من لا يدور في فلكهم.
عانى الشعب اقتصاديًا، تم تهميشه سياسيًا، تآكلت الطبقة الوسطى، وتراجع الوعي الثقافي، بينما تمدد الفساد في جسد الدولة حتى صار كأنه قدرٌ محتوم.
عانى الشعب اقتصاديًا، تم تهميشه سياسيًا، تآكلت الطبقة الوسطى، وتراجع الوعي الثقافي، بينما تمدد الفساد في جسد الدولة حتى صار كأنه قدرٌ محتوم.
ورغم
وجود أحزاب معارضة، إلا أنها كانت في معظمها كيانات شكلية، أقرب إلى ديكور
سياسي يجمّل واجهة النظام أكثر مما يعارضه. ومع ذلك، بدأت شرارات الرفض
تظهر، وخرجت حركات احتجاجية مثل “كفاية” لتكسر حاجز الخوف، وتعلن رفضها
الصريح للتوريث وتغوّل السلطة.
في
هذا المناخ المشحون، ومع فساد متجذر في عمق مؤسسات الدولة، جاءت لحظة 25
يناير 2011. لحظة انفجر فيها الغضب الشعبي، مطالبًا بسقوط النظام،
وبالتغيير الجذري، وبالعدالة الاجتماعية. ومع انحياز الجيش لمطالب الشعب،
سقط مبارك وسقط نظامه.
لكن
المأساة لم تكن في السقوط، بل فيما تلاه. فالثورة التي اندلعت كروح جامحة،
لم يكن لها جسد منظم ولا قيادة واعية. كانت هبّة صادقة، لكنها بلا رأس.
وفي هذا الفراغ، تسللت جماعة الإخوان، واختطفت المشهد، مستغلة الفوضى
والانفتاح، في ظل اختراقات إقليمية ودولية سعت لتوجيه المسار وتحقيق أجندات
خفية.
لهذا،
يرى البعض أن يناير لم تكن ثورة لأنها لم تُحقق أهدافها كاملة في حينها.
لكن في المقابل، لا يجوز وصفها بالمؤامرة الخالصة، لأن ذلك يُسقط حق الشعب
في غضبته الصادقة، وفي خروجه الحر إلى الشارع ليعبر عن رفضه دون وصاية أو
وسيط.
ومع
وصول الإخوان إلى الحكم، تكشّفت الحقائق سريعًا. اكتشف الشعب أن هذا
الفصيل يتاجر بالدين، ويستبدل حزبًا حاكمًا بآخر، دون تغيير حقيقي في جوهر
الاستبداد، بل ربما بصورة أكثر خطورة. فخرج المصريون مرة أخرى، في 30
يونيو، ليسقطوا حكم الإخوان، وكما حدث من قبل، انحاز الجيش لإرادة الشعب.
جاءت
المرحلة الحالية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في دولة منهكة، واقتصاد
مثقل، وتراكمات ثقيلة من الفساد والإهمال. بدأت إصلاحات اقتصادية قاسية،
دفع ثمنها المواطن، وازدادت الأعباء مع تعويم الجنيه وارتفاع الأسعار وتآكل
الأجور، ولا تزال الطبقات الفقيرة تنشد عدالة اجتماعية حقيقية وتوزيعًا
منصفًا للثروة.
غير
أن هذه الإجراءات، رغم قسوتها، جاءت كتشخيص طبي لجسد عليل. لم يلجأ الطبيب
إلى المسكنات المؤقتة، بل اختار الجراحة المؤلمة، إيمانًا بأن الألم
العابر قد يكون ثمن الشفاء. ضحّى الرئيس بشعبيته، واضعًا نصب عينيه مستقبل
الأجيال القادمة، حتى وإن تحملت الأجيال الحالية مرارة العلاج.
وشهدنا
مصداقية هذا النهج في مشروعات استصلاح الأراضي، وطرح نصف مليون فدان عبر
شركة الريف المصري، وتخصيص مساحات لصغار المزارعين بإجراءات شفافة وقرعة
علنية. كما أُعطي ملف تطوير العشوائيات أولوية غير مسبوقة، إلى جانب إنشاء
الطرق والكباري، وإعادة بناء بنية تحتية أهملها الزمن لعقود طويلة.
ومؤخرًا،
جاء قرار الرئيس باسترداد أراضي وممتلكات الدولة، ومنها ما يتعلق بمنطقة
المنتزه، والمطالبة بمستحقات ضخمة كانت مستولى عليها من بعض رموز النظام
السابق، ليعيد الأمل مجددًا في إمكانية تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية، إذا
ما أُعيد توزيع الثروة لصالح المواطن البسيط الذي تحمل فوق طاقته سنوات
طويلة.
وهكذا، يظل 25 يناير لحظة معقدة في تاريخ مصر:
ليست مؤامرة خالصة، ولا ثورة مكتملة،
بل صرخة شعب، وهبّة غضب، ومسارًا مفتوحًا،
ما زالت حروفه تُكتب على أرض الواقع.
ليست مؤامرة خالصة، ولا ثورة مكتملة،
بل صرخة شعب، وهبّة غضب، ومسارًا مفتوحًا،
ما زالت حروفه تُكتب على أرض الواقع.
