بقلم
د. جمال جبارة
" مخالب الغربة "
في
نزهة مع صديقتى، كنا نفاضل بين زيارة حديقة الحيوان العريقة بالجيزة، وخوض
مغامرة بين حيواناتها العتيقة، وسط أشجار معمرة، وبحيرات ساكنة، وكبارى
خشبية تصل بين أقسامها، وتنوع مدهش من الحيوانات والطيور والزواحف.
وانتصارا لرأيها، وإرضاء لتلك الحبيبة، وقع الاختيار على دخول السينما.
لكن رغبتنا في عيش لحظة مختلفة، وتجربة نخوضها للمرة الأولى، قادتني لفكرة اصطحابها إلى فيلم ثلاثي الأبعاد (3D).
بعد أن اشترينا حاجيات التسلية من بهو المدخل، وحجزنا مقعدين متلاصقين، تجاوزنا الحاجز ودخلنا القاعة ذات المقاعد المتدرجة الفخمة.
كان عدد الحضور قليلا، لا يتناسب مع اتساع القبة العالية.
وزعت علينا نظارات العرض، وكانت التجربة مجهولة تماما لنا.
قضيت دقائق أُسامرها بصوت هامس، حتى أطفئت الأضواء فجأة… سكون تام، لحظة حبست الأنفاس.
بدأ الخوف يتسلل إلى القلوب مع ظهور طائر غريب ذى جناحين عملاقين، ينحدر بين تلال الجبال، كأنه يوشك على اختراق الشاشة.
ثم من بعيد، ظهر ديناصور هائل، رفع رأسه العملاق محطما زجاج واجهة السينما الشاهقة.
وسط هذا الرعب، تشابكت الأذرع.
احتضنت
تلك الحبيبة، أحوطها بذراعى، بينما كانت تختبئ خلفى، تغرس أظافرها في
صدرى، كأنها تبحث عن قلبى، وقد غدت دقاته أعلى من صراخ الحاضرين.
تنبعث حرارة من بين شفتى، تذيب ثلج شفاه تلك الليلة المتجمدة،
تجعلها تنحنى برأسها لتتفادى تلامسهما، هاربة رغم الاقتراب.
أنحنى لامسا منبع نبضها، أشم عبق عطرها المعتق،
وتسلك صهد جمرات اللقاء سنن لهب البعد،
فتضمنى إلى صدرها أكثر.
استمر العرض، وكأن عقارب الساعة تشبثت بقرن ذلك العملاق الخارج من البحر الهائج.
تناثرت المياه الباردة، وفى تلك الليلة القارسة، صحوت فجأة على بريق كشاف ضوئى لعامل السينما، يبرق فى عينى ويقول بصوت متجهم:
انتهى العرض.
تنبهت… واستفقت من نومى.
لم أجد حبيبتي بين ذراعى.
أدركت أنه كان حلما.
تفقدت صدري، فوجدت آثارا وشقوقا عميقة…
ليست من أظافرها الرقيقة،
بل من مخالب تلك الغربة المؤلمة،
وحياتها الموحشة.
