JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

حين تتكلم الطرق التي لم نمش فيها

 

بقلم/نشأت البسيوني
في حياة كل إنسان طرق كثيرة عبرها وطرق أكثر مرّ بجوارها ولم يقترب منها كأنها كانت تنتظره ولم يملك وقتا أو شجاعة أو يقينا يكفي ليخطو أول خطوة عليها الطرق التي لم نمش فيها ليست مجرد مسارات على الأرض لكنها فصول كاملة لم تكتب أصوات لم تسمع وصور لم تر ومصائر كان يمكن أن تكون لكنها ظلت معلقة بين احتمالات كثيرة الحياة لا تبني نفسها بما اخترناه فقط لكنها
تبني نفسها أيضا بما تركناه خلفنا دون سبب واضح ودون تفسير يشبه الحقيقة الطرق التي لم نمش فيها هي اللحظة التي توقفنا فيها قبل القرار خطوة واحدة كانت كفيلة أن تغير كل شيء لكنها لم تتخذ ربما لأن الخوف كان أكبر من الحلم وربما لأن الحلم كان أكبر من قدرتنا على تحمله وربما لأن التوقيت لم يكن عادلا أو لأن القلب لم يكن مستعدا لفكرة أن هناك حياة أخرى تنتظره بعيدا عن كل ما
عرفه الطرق التي لم نمش فيها تحتفظ بنا في ذاكرتها رغم أننا لم نكمل المسير عليها وكأنها تقول إن كل اختيار تركناه خلفنا لم يمت بل ظل يعيش بصمت داخلي لا يسمعه إلا من يفكر وحده في الليل
وفي لحظة ما يكتشف الإنسان أن الطرق التي لم يمش فيها كانت جزءا من تكوينه كأنها طبقة خفية من روحه تشكل طريقة نظرته للعالم لأنها تظل تقول له إن الفرصة قد تأتي مرة واحدة فقط وإن
العمر مهما طال فهو أقصر بكثير من أن نؤجله انتظارا لشجاعة لا تأتي الطرق التي لم نمش فيها لا تندم علينا لكنها تذكرنا أننا نحن الذين نندم على ما لم نعشه على ما تركناه دون محاولة على ما تجاهلناه لأننا اعتقدنا أن الطريق الذي نسير فيه الآن هو الوحيد الذي يستحق أن نكمله وفي أوقات معينة يشعر الإنسان أن الحياة تعيده إلى لحظات تشبه تلك الطرق التي لم يسر فيها كأن الزمن
يمنحه فرصة أخرى ليختبر نفسه ليعرف هل تغيّر أم ما زال يخاف من البداية وهل أصبح مستعدا لفتح باب لم يدخله سابقاً أو أنه سيكرر نفس الخطوة التي أبعدته عن حلمه الأول الطرق التي لم نمش فيها تكشف لنا أننا لسنا متأكدين من شيء وأن اليقين الكامل مجرد وهم يصنعه الإنسان ليحتمي به من احتمالات الحياة وفي عمق الروح هناك طريق واحد لم نمش فيه لكنه لم يغادرنا يوما
طريق يزورنا في الخيال ويجلس بجانبنا في صمت ويذكرنا بأن ما فات لم ينته وأن الإنسان أكبر بكثير من النسخة التي يعيشها الآن وأن داخله نسخا كثيرة لم تخلق بعد الطرق التي لم نمش فيها لا تحاسبنا ولا تعاتبنا لكنها تقف هناك لتقول لنا إن كل شيء كان ممكنا وأن المستقبل ليس نسخة مفروضة علينا بل مساحة تتشكل بخطوة واحدة جريئة لا أكثر نفهم أن الحياة ليست الطريق الذي
سرنا فيه ولا الطريق الذي تركناه الحياة هي قدرتنا على الاعتراف بأننا لم نعرف كل شيء ولم نستغل كل شيء ولم نجرب كل شيء لكنها مع ذلك تمنحنا فرصة أن نبدأ من جديد حتى لو ظننا أن الوقت قد فات الطرق التي لم نمش فيها ليست خسارة بل تذكير دائم أن الإنسان لم يولد ليخاف بل ليمشي وأن البداية الحقيقية لا تحتاج إلا قلبا مستعدا أن يتحمل ضوءا جديدا بعد ظلام طويل
حين تتكلم الطرق التي لم نمش فيها

عبدالعظيم زاهر

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة