JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

من هنا نبدأ ... الوطن لا يعرف المعارضة بل يؤمن بالولاء الواعي ومنهج البناء

 


د. م. مدحت يوسف

في الوسط المجتمعي انتشرت مفاهيم خاطئة ومغلوطة عن الوطن وعن العلاقة بين الإنسان والدولة فأصبحت الكلمات تتداول دون وعي حقيقي بمعناها وأصبح البعض يظن أن الوطنية شعارات والمعارضة بطولة وأن إظهار السلبيات شجاعة بينما تمجيد الإيجابيات ضعف وأصبح هناك من يصنف نفسه في صفوف ضد صفوف وكأن الوطن فريقان متنازعان وليس بيتا واحدا يجمع الجميع وهذا الخلل في الفهم هو الخطر الأكبر على تماسك المجتمعات لأنه يهدم المعنى الحقيقي للانتماء ويفصل الإنسان عن أرضه وعن مسؤوليته تجاهها


لست سياسيا ولكني رجل عملي تعلمت من الهندسة أن الحياة لا تدار بالشعارات وإنما بالفعل وأن القيمة الحقيقية تقاس بالنتائج والوطن في جوهره ليس فكرة مجردة بل أرض يعيش عليها الإنسان وسماء تظله وماء يشربه وخير يأكل منه وهوية يحملها أينما ذهب وانتماء يسكن القلب قبل أن يسكن الوثائق والحدود


الوطن هو المكان الذي يولد فيه الإنسان أو يستقر عليه بإرادته فيصبح مسؤولا عنه بحقيقة الحياة ومن يمشي على أرضه ويسكن في بيوته ويأمن في طرقاته ويتمتع بخدماته وينعم بموارده يصبح جزءا عضويا منه مرتبطا به وجودا ومصيرا وواجبا


خلق الله الأرض وهيأها قبل أن يخلق الإنسان ثم جعله خليفة فيها ليعمرها لا ليخربها ليبنيها لا ليهدمها ليحفظ توازنها لا ليعبث بها ومن هنا تتضح فقه الأولويات في الحياة فالأولوية الأولى هي بقاء الأرض آمنة مستقرة ثم يأتي بعد ذلك كل شيء آخر فلا تنمية بلا أمن ولا تطوير بلا استقرار ولا نهضة بلا حوكمة ولا قوة بلا وحدة


وفي هذا العصر لم تعد الأوطان تعيش في عزلة بل أصبحت في منافسة عالمية شاملة منافسة في العلم والاقتصاد والتقنية والصناعة والأمن والاستقرار والسمعة الدولية وكل دولة اليوم تسعى لتكون في مقدمة الدول لا لتبقى متأخرة ومن هنا يصبح واجبا على كل مواطن أن يكون لبنة بناء في هذه المسيرة لا معولا للهدم ولا صوتا للإحباط ولا أداة لنشر الضعف


إن ما يسمى بالمعارضة في صورتها المنتشرة اليوم ليس اختلافا صحيا ولا رأيا موضوعيا وإنما هو في كثير من صوره تضخيم للسلبيات وإسقاط للنجاحات وبث لروح الشك وإضعاف للثقة وتشويه للمنجزات وهذا سلوك مهما تنوعت مبرراته لا يخدم وطنا ولا يبني مستقبلا ولا يصنع نهضة بل يفتح أبواب الفوضى ويغذي الانقسام ويزرع الإحباط في النفوس


أما الاختلاف الحقيقي فهو ضروري ومطلوب ولكنه اختلاف واع مبني على العلم والمعايير الصحيحة هدفه الإصلاح لا التشكيك والتقويم لا الإسقاط والنقد من أجل البناء لا من أجل الهدم وهذا النوع من الاختلاف هو أرقى صور الولاء لأنه يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية ويبحث عن الحل قبل أن يبحث عن اللوم


الولاء الواعي للوطن لا يعني التطبيل ولا التزييف ولا تجاهل المشكلات بل يعني التعامل معها بعقل راشد وقلب مخلص وعين ترى المستقبل لا اللحظة ويتمثل في دعم الإيجابيات وتعظيم النجاحات والمشاركة في الحلول وتحمل المسؤولية والقيام بالدور الحقيقي في دائرة العمل والعلم والإنتاج


لا توجد قيادة تسعى لفشل وطنها ولا توجد حكومة ترغب في تراجع شعبها فالطموح إلى النجاح غريزة فطرية ولكن النجاح لا يتحقق بجهد طرف واحد بل بتكامل الجميع وباستقامة الوعي وبوضوح الهدف وبوحدة المصير وكل من يعيش على هذه الأرض مسؤول عن رفعتها بطريقته ومجاله ومكانه


الوطن ليس ساحة صراع بين أفكار متناحرة بل هو جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تألمت له بقية الأعضاء وكل فكرة تهدمه هي طعنة في قلب الجميع وكل فكرة تبنيه هي شريان حياة جديد فيه


لقد خلقنا للتعمير لا للتخريب وللإصلاح لا للإفساد وللوحدة لا للتفرقة وحين نفهم ذلك يصبح الولاء سلوكا يوميا وتصبح المواطنة رسالة ويغدو البناء واجبا مقدسا ونصنع بأيدينا وطنا قويا آمنا مستقرا قادرا على المنافسة والبقاء والريادة بإذن الله


author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة