بقلم: د. مروة الليثي استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري
كانت سارة تجلس في ركن المكتب البعيد، تضع سماعات الأذن رغم أنها لا تسمع شيئاً. هي فقط تضعها كدرع يحميها من "الآخرين". بالنسبة لسارة، العالم ليس مكاناً شاسعاً، بل هو حقل من الألغام؛ كل كلمة قد تكون سخرية مبطنة، وكل نظرة قد تكون حكماً قاسياً عليها.
المواقف المؤثرة: وجع "الانسحاب"
كانت حياة سارة تتلخص في كلمة واحدة: "الهروب".
موقف العمل: عندما أعلن المدير عن ترقية تتطلب قيادة فريق، انسحبت سارة فوراً. رغم أنها الأكثر كفاءة، إلا أن فكرة أن تكون تحت المجهر، أو أن يقيّمها أحد، كانت ترعبها. عادت للمنزل وبكت بحرقة، ليس لأنها فقدت الترقية، بل لأنها فقدت "نفسها" مرة أخرى أمام خوفها.
موقف الصداقة: دعتها صديقة قديمة لحفل زفاف. ظلت سارة لأسبوع كامل تتخيل السيناريوهات: "ماذا سأرتدي؟ هل سيسخرون من وزني؟ ماذا لو لم يتحدث معي أحد؟". انتهى الأمر بأن أغلقت هاتفها وادعت المرض، ثم قضت الليلة تشعر بالذنب والوحدة، وتلوم نفسها على "جبنها" المزعوم.
نقطة التحول: عندما يصبح القفص ضيقاً جداً
ذات يوم، رأت سارة انعكاس صورتها في مرآة المصعد. رأت امرأة شابة، ذكية، لكن عينيها مطفأتان تماماً. أدركت حينها أن "الأمان" الذي كانت تبحث عنه في العزلة هو في الحقيقة "سجن مؤبد".
قررت سارة أن تبدأ رحلة العلاج. لم تكن رحلة سهلة، بل كانت مواجهة يومية مع أشرس أعدائها: صوتها الداخلي الذي يخبرها أنها "ليست كافية".
كيف استطاعت التغلب على المشكلة؟
اتبعت سارة خطوات مدروسة (وهي جوهر التعامل مع اضطراب الشخصية التجنبية):
تفكيك المعتقدات: بدأت تكتب أفكارها. "هل فعلاً سيسخر الناس مني؟ ما الدليل؟". اكتشفت أن أغلب مخاوفها هي مجرد "توقعات" لا أساس لها من الصحة.
التعرض التدريجي: لم تقرر سارة أن تصبح "خطيبة مفوهة" بين يوم وليلة. بدأت بأشياء صغيرة: إلقاء التحية بصوت واضح على حارس البناء، طلب القهوة مع إجراء حوار قصير مع البائع، حضور اجتماع العمل دون الاختباء في الصف الأخير.
تقبل النقد: تعلمت أن "الرفض" ليس نهاية العالم. إذا انتقدها شخص، فهذا رأيه الشخصي وليس حقيقة مطلقة عنها.
التعاطف مع الذات: توقفت عن جلد ذاتها. بدأت تعامل نفسها كصديقة طيبة، تشجعها حين تخطئ وتفخر بها حين تنجح.
النهاية: الضوء في نهاية النفق
بعد عام من العمل الدؤوب على نفسها، لم تصبح سارة "شخصية اجتماعية صاخبة"، فهذا ليس طبعها. لكنها أصبحت "سارة الحقيقية".
في الاجتماع السنوي للشركة، وقفت سارة لتعرض مشروعها. كانت يداها ترتجفان قليلاً، لكن صوتها كان ثابتاً. لم تكن تفكر في نظرات الناس، بل كانت تفكر في أنها "تستحق أن تُسمع".
عندما انتهت، لم تكن التصفيقات هي ما أسعدها، بل تلك الابتسامة التي رسمتها لنفسها أمام المرآة، مدركة أنها أخيراً... خرجت من خلف الجدار.
خاتمة من القلب: الشخصية التجنبية ليست "خجلاً" عادياً، بل هي شعور عميق بعدم الأمان. لكن بالوعي، والدعم النفسي، والخطوات الصغيرة المستمرة، يمكن تحويل هذا الجدار إلى جسر يعبر بنا نحو الحياة التي نستحقها.
