الأديبة والمفكرة
الدكتورة جعدوني حكيمة نينارايسكيلا.
من رواية نبيّ الظلام.
من تكون بابلة؟ ومن هو ابنها؟
جعل الإله الشيطان فتنةً للجنّ والإنس معًا، كائنًا قادرًا على التشكّل في هيئة أي مخلوق حيّ سوى الرسل، إذ تحرقه قدسيتهم من فوره. تتوزّع طبيعته بين حضورٍ جسديّ محدود ونَفَسٍ قادر على التجسّد حيث يشاء الإذن الإلهي، فيرى من كُتب له أن يراه، ويخاطب من قُدّر له اللقاء، كما حدث مع بعض الأنبياء، وكلّ ذلك ضمن مشيئةٍ معلومة. لكنه في الوقت الراهن حبيس جسد السامريّ.
احتكّ الشيطان بعلاقات مباشرة مع قِلّة من بني آدم، من الأبدال والأنبياء، بعد أن اِستأذنوا الله في لقاءه مباشرة. مواجهات مقصودة لاختبار المعرفة كانت تثير فضولهم. غير أنّ الزمن البعيد يذكر رجلًا واحدًا، خارج سلك النبوّة، كان حكيمًا في قديم أقدم العصور والأمجاد، من سلالة الملوك، أورث ابنه الوحيد عرشًا ووزارةً وعلم حكمٍ، ليكون وريثًا أشدّ حكمةً وأعمق فهماً. كان هذا الأب ونِعمَ المربّي والمؤسّس؛ يتّخذه فتاه قدوة لا يُعلى على نبله. مضت السنوات، وتوفي الأب، واعتلى الابن العرش الملَكية.
تزوّج امرأة متواضعة الجمال، فائقة الذكاء من بين قريناتها وأفضلهم عفّة وخُلقًا، ورُزق أبناءً أبرار، أشداء حملوا همّ المجد. غير أنّ أحدهم انصرف عن رسالة الملك، مكتفيًا بما بلغته المملكة من قوة، غارقًا في شهوات القصور، وصبّ جلّ إهتمامه على ملأها بالنساء.
ومن أفواه العيون سمع عن فتاة في أرضٍ مجاورة، غاباتها كثيفة، جمالها أسطوري، حتى ظنّها الناس من الجنّ. عزلها في قصر، حتى لا ينظر إليها بشر، وكان يختلي بها ولما إزداد بها شغفا؛ اتّخذها إحدى زوجاته، ولأنه كان لا يرفض لها طلبا، بنى لها مدينة في موطنها الأصلي…
والتي هي أرض بابل.
كان اسمها بابلة، ولم يتوقّف طموحها عند الزواج، بل طالبت بإبعاد كل النساء، وطبعا اِمتثل الملك لأوامر بابلة. امرأة ذات عدوانية صلبة، لا تسمح أن يُعارِض كلامها أي أحد، القتل لغتها، وشعارها الأوحد.
تفنّنت بابلة في الإطاحة بمن تكرههم، الواحد تلو الآخر، وطلبت أن يتم بناء المدينة، وأن تكون العاصمة والمقرّ الرئيسي للعرش، لكنها لاقت معارضة شديدة من طرف إخوته القادة العسكريين، إلا أن ولا واحد منهم تملّص من يدها، جميعهم تم قتلهم بطرق غير واضحة وكأن الأمر طبيعي.
تحوّلت مدينة بابل إلى مقرّ السلطة الرئيسي، وتوافد عليه الرجال، واستغلّت بابلة ذلك لتغذية رغباتها الدفينة بكل نذالة.
كانت بابلة أسوء مومس مشت على الأرض، لا حدود للبغاء في عالمها القذر، غير أنّ العقم طاردها، وخشيت ضياع تلك الملذّات منها، فقررت أن تبحث عن علاج لحالتها، وهنا؛ تدخّل الشيطان الرجيم والذي جيء به؛ على أساس أنه ساحر متمكّن وكان هذا؛ بعد أن طرقت كل أبواب الحكماء والسحرة.
سمعت من الرجال الأنذال، الذين كانوا لايفارقون مخدعها، أن هناك شخص غريب؛ يطلب رؤيتها فيما يخصّ أمر عقمها، فوافقت أن تراه وفي الأصل لم تكن ترفض مقابلة أي رجل يطلبها. اِستقبلت ذلك الخبيث كما دوما؛ بالإغراء والرغبة في المزيد، إلا أنه قال لها؛ يجب أن تتعرّفي على شكلي أولا، ردّت باِستهزاء؛ أن ذلك ليس مهما وأخبرها؛ أن عليها أن تأخذ الدواء الذي سيمنحها إيّاه، من خلال العلاقة الحميمية وطبعا سرّها الأمر .
اِستقبلها الساحر المنجّس واِشترط عليها؛ إذا كانت تريد أن تلد، فعليها أن تمارس معه الرذيلة بمثل طريقة الشواذّ أولا؛ ثم بما هو متعارف عليه ثانيا، لم تتردّد لوهلة وقبلت بعرضه الطبيعي؛ بالنسبة لها وكأنه علاج فحسب، وفعلاً لم يمضي الكثير من الوقت، وحملت بابلة بطفلها الوحيد، وكان هو الملك المعروف عند الناس حينئذ؛ بالنمرود والملقّب اِبن بابلة، اِبن الشيطان الشرعي الوحيد من الإنس.
كانت أم بابلة من نسل هجين؛ من الجنّ والشيطان، حيث أن الشيطان أول من سنَّ زواج الأخ بالأخت؛ لما تزوج أخته وأنجبت منه بنت شيطانة جنيّة، والتي بدورها تزوجت من رجل من الإنس، وولدت له اِبنتهما بابلة، التي عاد فيها الشيطان؛ وهي حفيدته ومن ذريّته.
وضعت بابلة اِبنها؛ متفاجئة بشكله الغريب والذي لم تتوقعه أبدا؛ الشقّ الأيمن من وجه الطفل كلّه مشوّه، وأعرج القدم اليمنى، بابلة لم تكترث لاِبنها لأن الحُكم في نظرها، سيغطي على ذلك كلّه، ثم إنه رجل في النهاية، لا يعيبه شيء ما دام ثريّا.
اِعتكفت بابلة على الفواحش، وأهملت طفلها وكانت الجواري فقط من تعتني به، وفي أحد الليالي؛ تسلّلت حيّة في الظلام إلى غرفة الطفل، وكان قد بدأ يرمي بالخطوات الأولى؛ فتبعها.
الحيّة كانت تقود الطفل عبر ممرات وسراديب في الأرض، حتى وصلت إلى مكان أسفل القصر في مدينة بابل، تعلّقت الحيّة بأغصان الشجرة الملعونة، التي نمت هناك في العمق المظلم، وراحت تتلوّى على ثمارها وتعتصرها؛ حتى نزلت قطرات منها على الأرض.
قام الطفل إلى ذلك السائل المرّ الأسود وتناوله، فأفقده وعيه في تلك اللحظة على الفور. كانت الحيّة تجعل الطفل يلعق تلك القطرات بأنامله، ثم تسحبه إلى غرفته؛ وتتركه ينام لتأتي في الليلة الموالية وهكذا؛ حتى كبر الفتى وقد اِكتسب قوة غير مألوفة عند من هم في سنه.
عمدت أمه إلى اِستشارة أعوانها، الذين أشاروا عليها؛ بقناع مصنّع من الذهب، لتغطي عيب وجه اِبنها وريث العرش.
تميّز اِبن بابلة الحاكم؛ بالقسوة والعدوانية والكِبر والحسد الشديد من كل شاب أفضل منه، في الهيئة أو الشكل ومن هنا؛ بدأت مأساة الرجال معه.
إمبراطور مضطرب، دائم التوتر، يمزّق ويقتل كل شاب وسيم، ويحقد ويغار منه ولا يهدأ، حتى ينزل ويتناول من ذلك السائل العجيب؛ في أسفل سراديب المدينة، فكان شديد الإدمان عليه.
ظلّ اِبن بابلة يفترس كل من هو أفضل منه، حتى خاف كل من سمع به، من قريب أو بعيد، ولم يتمكّن أي شخص من ردعه؛ لقوته التي لا حدود لها، ولما بلغ مبلغ الرجال؛ رفض الزواج بأي اِمرأة، حتى لا تَكشف القناع عن بشاعة مظهره واِكتفى بالزنى.
الإدمان اِستولى على اِبن بابلة، الذي كان يطلب المزيد وكلما زادت الجرعة زادت قوته، وزادت عدوانيته تجاه الرعية. نشر الرعب بينهم وكان يفقد صوابه، ولا يعرف كيف يهدّئ من غضبه؛ حتى جاءه الغريب… والده الحقيقي.
قدّم له الترياق واِشترط عليه؛ ألا يلمسه ولكن فقط يشتمّ رائحته من مسافة هو من حددها وفعلا؛ نجح الأمر وقرّب اِبن بابلة ذلك الغريب منه جدا وهكذا؛ اِجتمع الاِبن والأب معا مجددا.
لما شعر اِبن بابلة بالاِرتياح أخيرا؛ بدأ يتسلّى أكثر وعاث في الأرض إفسادا، وكان قد قرر أن يستعين بثمار تلك الشجرة الملعونة؛ ليزداد قوة والذي لم يكن يعلمه؛ هو أنه بعد تناول كل قطرة من الثمرة، كان يرى أشياء لم يكن يراها غيره.
بدأ يرى الشياطين ساجدة له، تنتظر فقط أوامره؛ لتنفيذ كل ما يريده ولم يتردّد اِبن بابلة في إهلاك خصومه، وطلب المستحيل؛ وهو بسط نفوذه على كل شيء وفعلا؛ حقق مراده في أشهُرٍ قليلة. تغيّرت طبيعته البشرية كليا وبات يتصرّف كشيطان مكتمل الصفات، وبدى عليه ذلك ظاهرا تماما، لما كان يسفك الدماء ويعتصرها من الحيوانات الأليفة في قصره ويشرب منها، كما اِلتجأ إلى زنى المحارم؛ الذي وجد فيه لذّة وراحة عارمة، تعدّى الأمر حتى أمه بابلة؛ التي جعل منها زوجته وكانت سعيدة بذلك، ولتعبّر عن فرحها بزواجها من اِبنها، قلّدته تاج على رأسه؛ وكان من أجود الذهب والجواهر على الإطلاق.
تمكّن من الرعية جميعا؛ بشياطينه وإنقاد له الكلّ تحت تأثير التلبّس، وسجدت له كل الأجناس من الشعوب؛ كما فعلت الشياطين.
الترعيب والترهيب هو قانون اِبن بابلة؛ الفساد الذي لم يسمع عنه إنسان ولا جآن، لا حدود للفحشاء والمنكر والسحر .
أكل من كل ما يدبّ على الأرض، وحتى لحوم البشر الطازجة، ولحوم أطفاله من الإجهاض المفروض على الفتيات غصبا، اِعتصر الدماء النجسة، تناول القذارة وشرب ما يتبوّله من السوائل خاصّته، قرّب السحرة والدجّالين واِبتعد عن كل ما هو طيّب.
لا أحد يناقش أوامره محال، حتى جاء اليوم؛ الذي أكله الفضول ليفتح ذلك القرطاس، الذي به الترياق وهنا؛ أوقفه ذلك الغريب بطريقة مشبوهة جمّدته كليا، فأُعجب بتلك القوة وطلب منه أن يعلّمه إيّاها، فوافق بشرط ألا يفتح أبدا القرطاس ولا يفكر بذلك.
تعلّم اِبن بابل السحر الأحمر الشيطاني، وإمتلك قوة موازية؛ أخضعت الجنّ له أيضا وهكذا؛ شعر بالألوهية واِدعى أنه الإله وفي ذلك اليوم؛ خرج له الرجل الذي سيردعه.
كانت الرعية تخدم اِبن بابلة بإخلاص وتفاني وكأنه خالقهم، وقد سيطر حتى على ماءهم وطعامهم وفرض عملة موحدة على كل الشعوب؛ عليها نقشه، وكل العذارى في بلاده لايقربهن رجل؛ حتى يكون هو أول من يفعل.
طغى ظلم اِبن بابلة حتى وصل إلى أرض الصين، فاِستعان بصخورها ليستخرج مادة البارود الكيميائية الفتّاكة والقاتلة؛ كان يُخضع بها كل متمرّد عليه؛ من القبائل الفارسية وغيرها، ولم يقف أمامه أحد.
حتى ظهر الرجل إبراهيم الرسول عليه السلام، فقام اِبن بابلة وجمع الحطب وأشعل النار محاولا حرقه.
اِستعان إبراهيم الرسول بالإله؛ فاِنطفت النار وكانت بردا وسلاما على إبراهيم. واِستعان اِبن بابلة بالغريب؛ الذي سجد بين يديه، جنّ جنونه لأنه كان يتغلّب عليه كل مرة، جمع كل من يثق بقدراتهم؛ من الجنّ والإنس والشياطين، ولم يفلح أحد أمام قدرة إبراهيم الرسول، ولا في صدّ قوته ، فلم يتبقى إلا ذلك الغريب؛ ليخبره عن الرجل الصارم الحازم وما السرّ الذي وراءه، تمنّع الغريب عن قول الحقيقة لاِبن بابلة المجنون، حتى أشفق الوالد على اِبنه وأخبره أنه والده الفعلي، وأنه إبليس المطرود من جنّة الإله ومن رحمته، وطلب منه أن يستخرج القلم السحري من القرطاس، وأن يكتب كلمة الشرّ ويتغلّب على إبراهيم الرسول .
أخفق اِبن بابلة في كتابة الحرف الأول، وكان الخطأ فادحا ففتح على نفسه باب الجحيم، خرجت من أبواب السماء أسراب لا تعدّ ولاتحصى من جنود الله، وتحطّم حلم الشيطان في إيفاءه بوعده ، وكل ما جمعه اِبن بابلة.
هلك ابن بابلة، وتشرّدت ذريّته في كل بقاع الأرض، تحمل الدم واللعنة والتي تمتد من نسل الشيطان نفسه. وبعد تكاثرها عزمت على إعادة إحياء حضارتهم مجددا، وفي أقرب وقت لهذا الزمن، بوحي من الشيطان الذي زرع تلك الفكرة في عقولهم، وليتمكنوا من ذلك؛ اِستعانوا بمخلّفات حضارة اِبن بابلة من طقوس الشرّ، كان عليهم أولا التجمّع في منطقة قريبة من مكان حضارته، ثم العمل على ضمّ باقي الممالك حتى يحصلوا على كل الأرض؛ التي كان عليها هذا الإرث.
حاليا؛ هؤلاء هم من يلقبّون أنفسهم بعبدة الشيطان ويتّبعون تعاليم كتاب اِبن بابلة والذي نُسخ منه كتاب خليط من تعاليم مزيّفة عن الإله وتعاليم اِبن بابلة وأطلقوا عليه اسم "التلمود" وهو نسخة من كتاب النمروذ.
غير أنّ الشيطان يزدريهم، يستعملهم ثم يبدّلهم بغيرهم. لما يقضون نحبهم وهكذا؛ هم يموتون وهو يبقى حيّا والأطماع التي جعلهم يتأمّلون الحصول عليها من اِسترجاع حضارة الثراء المكتنزة بعلم الخلود والقوة والسلطة؛ يتركونها ويرحلون، ويأتي آخرون مثلهم يطمعون كما طمع الأولون منهم وفي النهاية يُهلِكهم وتبقى علومه وكنوزه معه.
،؛، مهزلة حقيقية بين الشيطان وعبيده؛ سخّرهم لقضاء حاجته وفرّق بين بعضهم البعض وفي الأخير ؛ قعد فوق جثثهم الذليلة، ينهش ما تبقى من قلّة ضمير جيناتهم. يا لخساستهم بالنسبة له؛ التي لم تكلّفه حتى تقويم جنائزهم ،؛،
