بقلم
د. أسما الصيفي
في ركنٍ مظلم من مدينة دنفرملاين الاسكتلندية ، وُلد طفل نحيل في عام 1835، اسمه أندرو كارنيغي . لم يكن في حياته ما ينبئ بأنه سيكون شيئًا مذكورًا … فقد كان أبوه حرفيًا بسيطًا ، نسّاجًا بالكاد يطعم أسرته ، حتى اضطرت العائلة لبيع أثاثها قطعةً قطعة ، قبل أن تهاجر إلى أمريكا بحثًا عن ما كان يُعرف آنذاك بـ"الحلم الجديد".
وفي سن 13 عامًا ، لم يكن كارنيغي على مقاعد الدراسة مثل أقرانه ، بل كان في قبو مصنع مظلم ، يعمل 12 ساعة في اليوم مقابل 1.20 دولار في الأسبوع . حيث كانت مهمته أن يُبقي الآلات تعمل دون توقف ، وأن يُبدّل بكرات الخيوط يدويًا . فقد كان يعيش الفقر بكل تفاصيله : ملابس ممزقة ، طعام بالكاد يكفي ، ويدين صغيرتين تتشقّقان من العمل المتواصل .
لكنه لم يكن يشكو . كان يحمل في عينيه بريقًا غريبًا … طموحًا لا يناسب عمره ... فقد تعلم أندرو الكتابة والقراءة بنفسه ... كان يستعير الكتب من مكتبة صغيرة ، وكان يقرأ على ضوء الشموع بعد العمل ، ويُدرّب نفسه على البرق والتلغراف . وعندما بلغ السابعة عشرة ، حصل على وظيفة في السكك الحديدية ، حيث بدأ يعرف العالم الحقيقي .
من هناك بدأ التحول … صفقات ، استثمارات ، جرأة في المغامرة ، عقل تجاري حاد . أسّس شركة للصلب اسمها Carnegie Steel Company ، وحوّلها في أقل من عقدين إلى أكبر شركة حديد في العالم .
وعندما باعها في عام 1901، أصبح أول ملياردير حقيقي في العالم الحديث بثروة تعادل اليوم أكثر من 300 مليار دولار — أي ما يعادل تقريبًا ميزانية دولة بحجم مصر لعام كامل !!! وفي ذروة مجده ، وبينما كان كارنيغي يعيش في قصور فخمة ، كتب في دفتره الخاص :
"إن الرجل الذي يموت غنيًا… يموت مُخزيًا."
كان هذا انقلابًا روحيًا في حياة رجل لطالما طارد المال . قرر أن كل ما جمعه يجب أن يعود للناس . بأن يكون الثراء وسيلة ، لا غاية . ومن هنا بدأت رحلته الإنسانية التي قلّ أن نجد مثلها اليوم .
فقد بنى أكثر من 2509 مكتبة عامة في أنحاء العالم !
وكانت كل مكتبة بمثابة "منارة للوعي" في أحياء فقيرة لم ترَ كتابًا من قبل ... وكان يؤمن أن الكتاب هو السلا*ح الوحيد الذي لا يُصنع من حديد ، بل يصنع الإنسان نفسه .
أسّس جامعة كارنيغي ميلون ، وموّل مدارس ومختبرات ومعاهد في أمريكا وأوروبا ... حيث أنشأ صناديق دائمة لتكريم المعلمين وتشجيع العلماء ... فقام بمنح آلاف الطلاب من الطبقات الدنيا فرصة التعليم ، وربما الحياة نفسها .
فقد أنشأ قاعة Carnegie Hall في نيويورك ، والتي أصبحت أيقونة للموسيقى والفنون في العالم ... وموّل برامج موسيقية للأطفال الفقراء ، وآمن أن الفن يُنبت الجمال في القلوب التي جرّبت القسوة ... وأنشأ مؤسسة السلام الدولي ومول قصر السلام في لاهاي ... وكتب آلاف المقالات ضد العن*ف ، وكان من أوائل من حذّروا من الحر*ب العالمية الأولى قبل حدوثها .
حين توفي أندرو كارنيغي عام 1919 ، لم يترك لورثته قلاعًا ولا مجوهرات … بل ترك رسالة واحدة وهي :
"لقد قضيتُ نصف حياتي أجمع المال … والنصف الآخر أُوزّعه على من يستحق ." ... وقد فعل ذلك فعلًا، إذ تبرّع بأكثر من 90% من ثروته . ثروة بحجم القارات ، أعاد ضخّها في دماء المجتمعات ، في المدارس ، والمكتبات ، والقاعات ، والمختبرات ، والعقول .
وأخيرا فقد قصة كارنيغي ليست عن المال … بل عن التحول من الطمع إلى الحكمة ، من الأنانية إلى العطاء ، من قاع الفقر إلى قمة الإنسانية ... إنه الدليل الحي علي أن الشخص ، مهما كانت بدايته ، يمكن أن يكتب اسمه في ضمير التاريخ … لا بالحروف ، بل بالأثر .
