زمن الفنّ الجميل … ذلك الذي رحل وبقي فينا
يقال إنّ الإنسان حين يتعب من صخب الحياة يعود إلى الموسيقى الأولى التي تربّى عليها قلبه … يعود إلى الأغنية التي رافقته وهو صغير ، وإلى الأصوات التي شكّلت أول دهشة في روحه.
لهذا نلجأ إلى الأغاني القديمة ، لا هرباً من حاضرٍ مزدحم فقط ، بل لأنّ فيها روحاً دفينة لم تعد موجودة في زماننا ؛ نبرة صدق ، ونغمة دفء ، وحضور فني لا يمكن تقليده .
تخيّل — فقط تخيّل — أن يعود بك الزمن إلى تلك الأيام القمرية …
إلى سبعينيات السحر ، وثمانينيات الرقي ، وتسعينيات البساطة…
حين كان صباحك يبدأ مع صوت السيدة فيروز يهبط على روحك كالندى ، فيغسل التعب ويشعل فيك حنيناً لا يُفسَّر.
وحين كان طربك يزدهر مع ترانيم الستّ أم كلثوم تلك التي كانت تعلّمك أن الحب صلاةٌ طويلة .
وتختم يومك مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ مطرب العاطفةوالشباب في ذلك الزمن الجميل ، فيغدو الليل أرقَّ وألطف ، كأنك تجلس في حضرة زمنٍ يعرف كيف يُحبّ وكيف يُغنّي .
كانت الحياة أبسط ، والقلوب أعمق ، والمشاعر تُقال بلا خوف ، والوجوه صادقة لا تحتاج إلى فلاتر أو تزييف .
كان الهواء الحقيقي يُتنشَّق بلا غبار ، والضحكات تأتي من القلب لا من شاشة ، والصداقات تُبنى على العِشرة لا على المصلحة .
في تلك الأيام …
كنتَ تستطيع أن تحزن بلا أن تُخفي حزنك .
وأن تفرح بلا أن تبرّر فرحك .
وأن تكتب بلا أن تخشى أن لا يُفهم شعورك .
هو زمنٌ أبيض وأسود كما تصفه شاشاته ، لكنّه في قلوبنا أشدّ ألواناً من حاضرٍ ممتلئ بضجيج لا يُشبهنا .
زمنٌ كنّا نروي فيه حكاياتنا على مهل ، ونستمع لبعضنا بلا إستعجال ، ونعرف أن للحياة نكهة لا تتكرّر .
وبيتك الصغير الدافئ كان عالماً كاملاً …
عائلتك من حولك ، جمعة أهل ، فطور دافئ ، ضحكات تُشبه الموسيقى ، وراحة بال لا تشوبها أخبار ولا سُرعة ولا قلق مرهق.
ليتنا نستطيع إيقاف عقارب الساعة هناك …
ليتنا بقينا صغاراً لم نكبر ، لم نُرهق ، ولم نغادر ذلك العالم الذي صار اليوم مجرّد ذكرى نُطمئن بها قلوبنا كلّما ضاقت بنا الحياة.
لكن هيهات وللأسف الشديد …
ما زال في داخل كلّ واحد منا غرفة صغيرة يحتفظ فيها بصوت فيروز ، ودمعة على العندليب ، ولحظة سحر مع الست أم كلثوم.
وما دام الحنين حياً فينا …
فلن يموت الفن الجميل أبداً.
