متابعة نشوى شطا
حوار مع د. عبدالله أحمد: "لما يختفي الوعي النفسي والتربوي، الخطر بيبدأ من بيت صغير"
في الأيام الأخيرة، هزّت الرأي العام المصري حادثة مؤلمة بطلها طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره في محافظة الإسماعيلية، أقدم على قتل صديقه بطريقة عنيفة بعد خلاف بسيط بينهما.
الواقعة صدمت الجميع، ليس فقط لبشاعتها، ولكن لأنها أعادت فتح ملف خطير: كيف وصل طفل في هذا العمر إلى هذه الدرجة من العنف؟
هل هي أزمة تربية؟ ولا غياب وعي أسري؟ ولا مجتمع فقد بوصلته التربوية؟
في هذا الحوار، يحدثنا د. عبدالله أحمد – استشاري العلاقات الأسرية والزوجية – عن جذور الظاهرة، وأسبابها، وكيف نقدر نحمي أولادنا قبل فوات الأوان.
س: دكتور عبدالله، كيف قرأت حادثة طفل الإسماعيلية من منظور نفسي وتربوي؟
ج: اللي حصل في الإسماعيلية مش مجرد جريمة، دي "صرخة" بتقول إن فيه خلل كبير في منظومة الوعي والتربية. لما طفل يتحول من كائن بريء إلى شخص قادر على القتل، يبقى لازم نسأل: إيه اللي وصله للنقطة دي؟
الطفل ده مش اتخلق مجرم، لكنه "اتشكّل" في بيئة فقدت الوعي، وشافت العنف جزء من الحياة اليومية — في البيت، في المدرسة، في النادي وفي السوشيال ميديا.
س: البعض شايف إن ده تصرف فردي، مش ظاهرة… رأي حضرتك إيه؟
ج: لا، مش تصرف فردي. صحيح الجريمة دي محددة، لكن السلوك ده نتاج تراكم طويل من الإهمال. إحنا بقينا نشوف العنف كأنه "رد فعل طبيعي"، سواء في الشارع أو حتى في البيت. لما الأب والأم يصرخوا في بعض، أو يعاقبوا ابنهم بعنف، أو يشوف الطفل أفلام وضرب وقتل على الموبايل طول اليوم، هو بيتبرمج إن العنف حل.
س: طب إيه أكتر الأسباب اللي ممكن توصل طفل في السن ده يعمل كده؟
ج: فيه أربع عوامل أساسية دايمًا بتتكرر في الجرائم دي:
1. الحرمان العاطفي: طفل مش حاسس باحتواء أو حب حقيقي من الأسرة.
2. العنف المنزلي أو الإهمال: سواء كان بيتعنف أو بيشوف عنف حوالينه.
3. الإدمان الرقمي: ألعاب ومقاطع بتخلّي العنف يبدو "بطولة".
4. غياب القدوة: مفيش حد يعلّمه يعني إيه إنسانية، ولا يسمع منه "غلط" أو "حرام" أو "عيب".
س: يعني حضرتك شايف إن الأسرة هي الأساس في تكوين السلوك العنيف؟
ج: بالضبط. الطفل مرآة البيت.
الطفل اللي اتربى على الاحترام والحوار مش هيقتل صاحبه، هيختلف معاه ويتكلم.
لكن الطفل اللي اتربى على الصراخ والإهانة والضرب، طبيعي جدًا لما يغضب يلجأ للعنف لأنه ما اتعلمش وسيلة تانية للتعبير عن مشاعره.
البيت هو أول مدرسة نفسية في حياة الطفل، ولو المدرسة دي فشلت، بنشوف النتائج دي.
س: طيب دور المدرسة هنا فين؟ هل عليها مسؤولية؟
ج: أكيد. المدرسة مش بس مكان للتعليم الأكاديمي، دي كمان مساحة لتكوين الشخصية.
لكن لما تتحول المدرسة لمكان ضغط، بدون تربية نفسية أو أنشطة تفرّغ الطاقة، الطفل بيكتم غضبه لحد ما ينفجر.
المعلم لازم يلاحظ سلوك الطلبة، يحس بالتغيّر، يتدخل بدعم نفسي مبكر. للأسف، ده غايب في مدارس كتير.
س: وماذا عن تأثير السوشيال ميديا وألعاب العنف؟
ج: ده عامل كبير جدًا.
الألعاب العنيفة والـ"ترندات" اللي بتمجّد القوة والانتقام بتخلّي العنف يظهر كأنه بطولة.
الطفل بيتأثر بسرعة، خصوصًا لما مفيش رقابة من الأهل.لكن هنشوف جيل محترم، متوازن، وعنده إنسانية.
