JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

حين تنكسر الأسباب وتبقى إرادة الله



بثلم /  إيمان الدمراني

منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، وهو يسعى إلى أن يفهم النظام الخفي الذي يدير الوجود. يقيم المعادلات، ويستنبط القوانين، ويظن أنه بإحكام الأسباب يُمسك بخيوط القدر. لكن ثمة لحظة — لحظة دقيقة ومهيبة — يسقط فيها كل ما صنعه، ويتهاوى كل ما ظن أنه متين، فيدرك أن ما يحكم الكون ليس هندسة العقل، بل مشيئة الغيب.

إن الترتيبات البشرية مهما بلغت من دقةٍ واتساق، تبقى محكومة بعجزها أمام الإرادة العليا التي تسوق الوجود كما تشاء. قوانين الفيزياء، ونواميس الطبيعة، وكل ما نراه ثابتًا، ليس إلا وجوهًا متعددة لقدرةٍ واحدة تتجلّى في كل شيء، وتخبو متى شاءت. فالذي أجرى النار لتكون دفئًا، هو القادر أن يأمرها ألا تحرق، والذي جعل الماء يغرق، يستطيع أن يجعله طريق نجاة.

كم يدهشنا هذا التناقض الظاهري بين منطق الأسباب ومنطق الإيمان. فالعقل البشري يرى التسلسل والعلّة، أما القلب المؤمن فيرى الإرادة الأولى التي خلقت العلّة والمعلول معًا. حين تتوقف الأسباب عن العمل، لا يعني ذلك أن النظام اختلّ، بل أن الله أراد أن يذكّر الإنسان أن النظام كله بيده.

الإنسان، في ضعفه وغروره، يظن أنه يملك السيطرة على مسار حياته، غير مدرك أن إرادته ليست سوى ظلٍّ خافتٍ لإرادةٍ أعظم، تسيّر كل شيء من وراء حجاب. وعندما يشتدّ عليه البلاء، وتتعطّل الحيلة، وتتقاطع السبل، ينكشف له أن القوة التي كان يبحث عنها في الخارج، كانت تسكن داخله في صورة إيمانٍ بالله، ينتظر لحظة الكشف.

لا شيء في هذا الوجود يقع خارج نطاق الإرادة الإلهية، لا انكسار ولا انتصار، لا تأخير ولا تحقق. فكل ما نعدّه مستحيلاً، قد يكون عند الله أيسر من طرفة عين. إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. وما أعجب هذا الأمر الإلهي، الذي لا يحتاج إلى أدواتٍ ولا إلى زمان، بل يكفيه أن يريد.

إن الإيمان بهذه الحقيقة لا يُلغِي التفكير ولا ينقض الأسباب، بل يمنحها معناها. فالأسباب أدواتٌ في يد الله، تعمل حين يشاء، وتتوقف حين يريد. وعندما ندرك ذلك، لا نخاف الفشل، ولا نهلع من المجهول، لأننا نوقن أن ما هو لنا لن يضلّ طريقه، وما لم يُكتب لنا لن يُنال ولو اجتمع الخلق كلهم عليه.

حين تشتدّ العواصف ويعمّ الغموض، ينسحب الإنسان إلى صمته، وهناك — في عمق هذا الصمت — يسمع الحقيقة التي كان يغفل عنها: أن الكون كله خاضع لإرادةٍ واحدة لا تُهزم، وأن المستحيل لا يعيش في حضرة الله.

فإذا عجز البشر، تجلّى الله.

وإذا انكسرت الأسباب، نطقت القدرة.

وإذا أُغلقت الأبواب، فُتح باب السماء.

وهكذا، يبقى قانون الوجود الأكبر:

أن إرادة الله تمضي حين تعجز كل الإرادات،

وأن المستحيل ليس إلا مرآةً تعكس عظمة الممكن عند الله.


NameE-MailNachricht