JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

لن نموت

 


بقلم ... تغريد مصباح

تتراص منازل غزة الجميلة ومدارسها ومساجدها وكنائسها مثل حبات العقد المتشابكة ، السماء زرقاء صافية ، الشمس تغطي الأرض بأشعتها الدافئة ، تلقي بظلالها على المنازل والأشجار وأعمدة الكهرباء . العصافير تحلق فوق المدينة . الشوارع تعج بالمارة ، التلاميذ يحملون حقائبهم المدرسية ، متجهين في صفوف إلى مدارسهم ، الأمهات يتجهن إلى سوق المدينة ، المزارعون متجهون إلى مزارعهم ، العمال تحركوا إلى أشغالهم  ، المحال التجارية تفتح أبوابها ، صوت القرآن الكريم ينبعث من المساجد ، الترانيم تنبعث من الكنائس . الأولاد يلعبون الكرة والبنات يتجمعن في حلقات يلعبن بالعرائس . 

فجأة ُسمع أزيز الطائرات الأباتشي ، فرت الطيور بعيدا عن الأرض ، اختفت الشمس خلف أحد الغيوم العملاقة ، رفع الجميع رؤؤسهم نحو السماء ، ليشاهدوا الطائرات الضخمة تقترب علي أبعاد منخفضة ، تدور حول المدينة ، فوق المنازل والمدارس والمستشفيات ، حول المآذن وأبراج الكنائس . ترك الأولاد الكرة ، تجمعوا كالقطط الصغيرة بجوار الحوائط . 

شرعت الطائرات تضرب طلقاتها العشوائية ، تطلق صواريخها على المدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه والمصالح الحكومية ، ترحل بعيدا تاركة خلفها حرائق مشتعلة ينطلق منها دخان كثيف . بدأت الدبابات تجتاح المدينة . تضرب بلا هوادة  ، طلقاتها تخترق الجدران ، تحاصر أحياء المدينة بقسوة ، هرول الأهالي إلى منازلهم على أصوات مكبرات الصوت تعلن في غرور .

ـ أخلاء .. أخلوا منازلكم  ، الدبابات لن تترك بيتا إلا وستدمره .

هبطت أعدادا غفيرة من الرجال والنساء والأطفال من المنازل ، وقف الجنود بجوار الدبابات يصطادونهم كالعصافير ، حاول الأهالي الفرار بداخل الأزقة ، تسمع حواراتهم البائسة :

ـ هذه الجهة مغلقة .. إلى الجهة الأخرى .. دبابات أيضا .. الموت يحاصرنا من كل مكان.

بدأ تلاميذ المدارس في الهرولة من فصولهم ، تركوا كتبهم علي الأرض ، تجمعوا في فناء المدرسة ، بينما اجتاحت الدبابات أسوار المدرسة ، دهسته جنازيرها الحديدية بقسوة ، اغتالت البراءة برصاصات غدرها . اقتحم الجنود شوارع المدينة ، يفتشون المنازل والمحال التجارية ، يعتقلون الشباب والرجال ، يضعونهم في عربات كبيرة معصوبو العيون . احتلوا المباني العالية ، اتخذوها مواقع لاصطياد المدنيين في الشوارع ، كلما مر طيف إنسان ، تصب فوق رأسه عشرات الطلقات . دكت المنازل ، تهاوت فوق رؤوس أصحابها . امتلأت الشوارع بالجثث والجرحى  ، انتشرت رائحة الغانغرينا ، دمرت عربات الإسعاف لمنعها من النزول إلى الشوارع لنقل المصابين ، اقتحم الجنود المستشفيات للقبض على المصابين أو التخلص منهم . عادت الطائرات تحلق من جديد ، بعدما تحولت غزة إلى مدينة أشباح ، الحرائق مشتعلة في كل مكان ، رائحة الجثث تفوح من كل مكان . دارت الطائرات حول المدينة في رحلة استكشافية لرصد ما حدث بعد الهجوم . طاف الجنود بمكبرات الصوت شوارع المدينة ، يعلنون حظر التجوال وقطع الكهرباء والمياه . خرج الأهالي  من منازلهم المهدمة ، من تحت الأنقاض ، من المساجد والكنائس ، من السيارات ، من الجثث الملقاة علي الأرصفة ، الجنود في غاية الدهشة والانزعاج  ، ينظرون بعيونهم الغبية الوقحة لهؤلاء البشر ، يصرخون فيهم .. أما زلتم علي قيد الحياة .. أما زلتم تتنفسون .. ماذا نفعل بعد القتل والقصف والإبادة .

ويأتي الرد من عيون أهالي غزة .. لن نموت حتى تموتوا .. أو تخرجون بلا رجعة .

NameEmailMessage