الأديب والناقد/ العربي عبدالوهاب
تطورت أطروحات شعر العامية ، فى الألفية الثالثة تطوراً ملحوظاً نحو كتابة أنين الذات الموجوعة، بعدما كان شعر العامية فى بداياته يعبر عن متاعب الشعب ويناهض الاستعمار والاستبداد، وكان يجأر فى قصائد بيرم، وفؤاد حداد، وفى أشعار فؤاد نجم وغيرهم ممن تبعوهم وساروا على دربهم؛ بهذا المنظور التعبوى المناهض للظلم الواقع على الانسان، بدا ذلك فى ثلاثينيات القرن الماضى، حتى صار معبرا عن الذات الجمعية، وأصبح صوت الأمة، وكاتب شعاراتها، والمطالب بحقوقها فى حياة أخرى، حياة أفضل من المفروضة عليه.
تحول الشعر فى الألفية الثالثة إلى نمط آخر من الكتابة، حيث صار العالم مرئيا من خلال [ الذات ] الشاعرة التى صارت قادرة على قراءة عوالهما عبر أحلامها وكوابيسها، عبر جروحها الخاصة، بل تمكنت من جلب العالم إلى حيز محيطها النفسى، والتنويع عليه، والبكاء على انكساراته، وتشطيه.
وها هو الشاعر محمود رمضان يجعل من ذاته مرآة للعالم، عليها تنعكس أغنياته وأنينه، أفراحه وأحزانه، أحلامه وكوابيسه، تحققاته وانكساراته.
كانت أحلامي
أشبه بغريق
كان نفسه يعوم
وعزيز النوم
وآهو يوم ورا يوم
بيعدي
وسراير جنبي
بتتغير سكانها
كل سرير
كان شايل حواديته وحكاياته
إذا كان المقطع هنا يبدأ من حلم الذات الغارق فى اللاتحقق، فانه ينتهى بالانفتاح على سرير آخر، محمل بعوالمه وحكاياته.
إن تجربة ديوان (معزوفة لأقدم ناى) هى بالفعل معزوفة، وإجترار للذات، وغناء أقرب لأنين الناى العريق فى أصالته، المصالحب للفلاح فى حقله، والمرافق للذات الموجوعة، على مدار التاريخ.
وحين نلج إلى عالم الذات نجد آفاق التجربة الشعرية تتبدى عبر ملاحظات الذات للعالم الكائن خارجها وهى داخلة إلى حالة من الغياب / التخدير .. حيث الأسرة، والمرضى، والتجهز للعملية الجراحية/ كنها الرحلة الأخيرة.. ربما لا تتمكن فى النهاية من العودة مرة أخرى للحياة.
( أوضه/ ف طرقه طويله / ف مستشفى / في مدينه كبيره/ وف صوت الليل/ اللي ما لهوش / صوت / وانا وسط الناس النايمه / على سريرها / بين الحياه والموت/ كانت عيني / بتفتش في الجدران/ في وشوش / غيَّر رسم ملامحها / القلم الشارب م الأحزان/ وف كيس المحلول / اللي بيخلص / نقطه ف نقطه / فكرني بعمري اللي بيخلص مني / يوم ورا يوم )
يعتمد الديوان أيضا على بنية الحكاية السردية، فى جعل الشعر خارجا من بوح ذات ألمَّ بها المرض حد الوجع، فنرى شاعراً مضطراً للدخول فى التجربة، (المرض/ العملية/ إستحضار ملامح الموت، والموتى، قراءة وجوه المرضى، حكايات الأسرة.
هل ثمة حضور خفى لروح وملامح الشاعر أمل دنقل فى ديوانه (من أوراق الغرفة 8)؟
فى القصيدة الأولى (بين الحياة والموت) وهذه القصيدة تمثل الأيقونة التى ترمى بظلالها على التجربة الكلية للديوان..
، فنراه يستحضر الأم الراحلة، رمزا لحنينه إلى الرحيل، فى قصيدة (وش أمى).. يقول (وانا قبل البنج بثواني / والفكر ماسكني / / بيجيب وبيودي / ياترى / الدنيا اللي قضيتها ف مآسي / ح ارجع واعيش جواها تاني / حسيت بسن الإبرة / بيفوت / هيأت نفس / لبداية رحلتي للموت ) .. ثم تنداح الرؤية العميقة عندما يجد الناس تتحرك بلا صوت، حركة ترمز لعبثية الحياة، والسعى الدءوب نحو النهاية ، حيث تفضى تلك الحركة إلى الوصول حيث الأحباب هناك فى عالم بلا حركة، ثمة فلسفة عميقة لميلاد الحياة، ونهايتها وخوف الأم، وحدبها الشديد عليه، وخشيتها ـ فى نفس الآن ـ عليه من عالم البشر المتمثل فى الحركة التى بلا صوت، كأن الذات صارت مرآة ينعكس عليها العالم، ليحضر الأب، والجد، والرفقة والأصحاب، والبشر؛ فى بقية قصائد الديوان التى تعتمد فى مجملها على تعتمد فى بنائها على بقايا حكايات سردية، لتجربة ذات مرت بلحظات فارقة فى الحياة، فأخذتها رؤيتها العميقة لقراءة العالم بشكل مغاير.
وتشكلت القصائد من ثمَّ عبر حركة درامية لا تخطئها العين، فنلحظ تراجع الصور المركبة لصالح الصورة الكلية للقصيدة، كما تتراجع ملامح كتابات الشاعر نفسه، فى دواوينه السابقة، لصالح هذه التجربة الحديثة والمتطورة فى طرح ذات مفعمة بالانسانية، خائفة بعمق من هذا العالم.. وراصدة له بشفافية رهيفة.
تعمل الذاكرة فى الديوان على إسترجاع العالم والامساك بأطرافه قبيل الرحيل، من باب الحنين إليه، وتجسيدا أيضا لمعالم ذاته التى تقف على تخوم عالم جديد، ربما تدلف إليه فتفضل تقديم شهادتها عن هذا العالم، وتستمر فى قراءة الوجوه
(ودا عابر سبيل ماشي
تعبت حياته معاه
وميه فوق الجبل
حفرت حروف الله
والشمس كانت بتتسحب
وتقرب وشها يَمِّيِ
فكرتني بوش أمي )
لعل المخدر الذى أخذ يسرى فى عروقه، و تم تجسيده فى تلك الصورة البديعة التى إخترقت تماما بنية المشهد الشعرى ( وميه فوق الجبل / حفرت حروف الله/ والشمس كانت بتتسحب / وتقرب وشها يمىَّ / فكرتنى بوش أمى) والقارئ إذ يقوم بتفكيك الصورة يحصل على مشهد سردى فريد، مكتوب بعناية ورهافة فائقة، ومع ذلك فالصور الشعرية هى التى تعمل على خلق عالم كلى تتهيأ خلاله الصور مصاحبة للرؤى ومندغمة فيه، عالم الصورة هنا دال على إتساع رؤى الذات وانفساحها حتى تحتوى العالم فى تلك اللحظات، وتحنو عليه، تترفق به وتعلن خشيتها الطفولية منه، فتتفجر المرادفات المتضادة مثل ( الفرح والحزن) (الميلاد والموت) (السعى وعبثية السعى) (الذات الفردية والعالم الجمعى) ، والشاعر يقوم بجمع العالم من أطرافه المتناقضة، وليفضى بنا لإعادرة بناء تصوراتنا نحو العالم بالرجوع لذواتنا التى تاهت وسط زحام الأسئلة، وعبر سجن الذات داخل نفس الأماكن ، والظروف.
( وندور
في زحام الأسئله
عن طرق للحل
تمر السنين واحنا
مسجونه مطارحنا
بنبص من شيشها
على سكة الترحال
لسه المدى فاضي
لسه الألم عادي
ولسه
في الحنايا حنين
يشبه لصوت الناي )
هذا الحنين الذى يفضى حتما إلى صوت الناى الذى يعمل فى بنية القصيدة كرجع الصدى الذى اختفى بين ثنايا الأسئلة وسجن الأماكن، وانحسار أحلام الذات .. ( لسه المدى فاضى / لسه الألم عادى ) أليست هذه الرؤى الفلسفية المبثوثة فى تلافيف تلك الصور التى تطالعنا وتجذبنا بقوة نحو صوت الناى المفتقد ، تساعدنا على إكتشاف أنفسنا؟، هنا فى مضمار هذه الكتابة تتحد المصائر، وتتواشج العلاقات، وتصبح الذات الشاعرة معبرة عن الذات الجمعية، رغم مخالفتها لها، وكشفها لزيفها أحيانا، بمعنى أن الشاعر خلال الديوان يسقط أقنعة الزيف عن الأنماط البشرية التى تفسد المشهد الانسانى، حين تتجسد الأنانية وحب الذات فى أكثر من موضع فى الديوان.
كما يؤكد الشاعر فى مناطق متعددة أن ذاته هى ذات معبرة عن الآخرين هو شاعر القبيلة، أن تلك الرؤى ليست ذاتية خاصة، بل هى ذاتية الموضوع، يقول
( وانا م الناس
وجوه الناس
مآسي بتحبس الأنفاس)
لاحظ الجرس الموسيقى فى حرف السين الذى تكرر فى الأسطر الثلاث خمس مرات، تلك الموسيقى المتولدة من اللعب بالحروف، والاعتماد على تنوع القافية، وملازمتها للبناء التصويرى باستمرار، توفر حالة من الغناء الأسيان الحزين، ذلك الغناء المنسجم تماما مع أنين الناى، ووجع الناس، وأصالة ورسوخ التشكيل الجمالى لشعر العامية المصرية.
يلعب الديوان على تأصيل القيم النبيلة فى حضور شخصية الجد، ونقاء العادات الأصيلة للمجتمع، بما يوحى بمقدار التحولات الحادثة داخل سعى البشر نحو تحقيق أهدافهم بما يتنافى مع أصالة القيم والمبادئ الإنسانية، لذلك فالشاعر يستدعى الحلم والأزمنة الأولى، ببكارتها وعفويتها، ونقائها الفطرى فى قصيدة نفس الكاس، درة الديوان ، مع القصيدة الأولى مفتاح هذا العالم يقول :
( إيد عرقانه ماسكه الفاس
ورسمت عيله
بتتسامر قصاد الدار
كبار وصغار
وكنكه راقده ع المنقد
وطالع منها ضي ونار
حياه دفيانه بالطيبه / وبالألفه / وبالأخيار / وكانت ديه رؤيتها / في أول خطوه خطيتها / على الدنيا / في أول صفحه في الكراس )
بينما فى المقابل ثمة انكسارات، وأحزان لا حد لها فى تجاويف الديوان ـ كما فى تفاصيل الحياة اليومية ـ المحمل بوجوه متعددة للبشر المنشغلين بطموحاتهم، وأنانيتهم وإستبدادهم المرهق حد الموت لذات الشاعر يقول فى قصيدة نفس الكاس : ( وانا م الناس / ومليانه الحياه بالناس / خطاوي تايهه في الدنيا / عيون خاليه من الإحساس )
ويقول فى قصيدة تقاسيم : ( وادينا في الحياه عايشين / كما العملة / اللي بتدورها الظروف / فتدور / تدور وتدور / وقبل سقوطها بترف / كما الطير اللي داخ / من ضلام الحبس ) تماثل صورة العملة ورفيفها لحظة سقوطها حسب معطيات الواقع وتقلباته، تماما كما حال الإنسان فى حياته اليومية، صورة فريدة وجديدة، وعبرت أكثر حين قام الشاعر بعكس ظلالها على الطيور الخارجة من ظلمة الحبس، فى حالة من التوهان، (الطير اللى داخ) وإنعدام البصيرة، وكأن الانسان مقيد وسط جدران مقبضة، رهين ظروفه القاهرة طوال الديوان، كما هى الذات رهينة المرض، والموت فى أى لحظة، لذلك فهى تهيئ نفسها للرحيل منذ القصيدة الأولى.
يقدم الشاعر محمود رمضان فى ديوانه (التاسع) عشر قصائد طويلة نسبيا هى على الترتيب [ بين الحياة والموت ـ وش أمى ـ نوادر م البشر ـ الحلم ـ فاكهة الحكايات ـ ضي القمر ـ نفس الكاس ـ تقاسيم ـ زحام الأسئلة ـ ساعة الحساب ] فى إطار من البوح، والغناء الذاتى ، عازفا على ناى أحزانه ومرضه تجربة إنسانية متميزة ومعبرة عن أوجاع الذات الإنسانية، تمكن أيضا من توظيف الحكاية، والسرد الشعرى، بمهارة، كما حضرت الأماكن، وتفاصيل الحياة اليومية، وخصائص السلوك البشرى باتت واضحة ومعبرة عن خبرة عميقة لدى الشاعر بالذات الانسانية، ثمة مناشدة ودعوة إنسانية متجلية فى معظم قصائد الديوان لإستعادة الانسان، بخلع أقنعة الزيف عن وجهه، والعودة به لفطرته الأولى، وإستعادة الحلم، لعبور بحور الأحزان.. أيضا من الواضح التشكيلات الجمالية للذات وتجلياتها، وقدرتها على القبض على تجربة المرض، ثم طرح ظلالها على بقية قصائد الديوان بخيرة شاعر صاحب تجربة، وبفلسفة تتسم بالشفافية والتأمل العميق للإنسان وهو على حافة برزخية بين الحياة والموت.
الأديب والناقد العربي عبدالوهاب


